عثمان بن جني ( ابن جني )
211
الخصائص
باب في الرد على من اعتقد فساد علل النحويين لضعفه هو في نفسه عن إحكام العلة اعلم أن هذا الموضع هو الذي يتعسّف بأكثر من ترى . وذلك أنه لا يعرف أغراض القوم ، فيرى لذلك أن ما أوردوه من العلّة ضعيف واه ساقط غير متعال . وهذا كقولهم : يقول النحويّون إن الفاعل رفع ، والمفعول به نصب ، وقد ترى الأمر بضدّ ذلك ؛ ألا ترانا نقول : ضرب زيد فنرفعه وإن كان مفعولا به ، ونقول : إنّ زيدا قام فننصبه وإن كان فاعلا ، ونقول : عجبت من قيام زيد فنجرّه وإن كان فاعلا ، ونقول أيضا : قد قال اللّه عزّ وجلّ : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ [ البقرة : 149 ، 150 ] فرفع ( حيث ) وإن كان بعد حرف الخفض . ومثله عندهم في الشناعة قوله - عزّ وجلّ - لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] وما يجرى هذا المجرى . ومثل هذا يتعب مع هذه الطائفة ، لا سيّما إذا كان السائل [ عنه ] من يلزم الصبر عليه . ولو بدأ الأمر بإحكام الأصل لسقط عنه هذا الهوس وذا اللغو ؛ ألا ترى أنه لو عرف أن الفاعل عند أهل العربيّة ليس كلّ من كان فاعلا في المعنى ، وأن الفاعل عندهم إنما هو كلّ اسم ذكرته بعد الفعل وأسندت ونسبت ذلك الفعل إلى ذلك الاسم ، وأن الفعل الواجب وغير الواجب في ذلك سواء ، لسقط صداع هذا المضعوف السؤال . وكذلك القول على المفعول أنه إنما ينصب إذا أسند الفعل إلى الفاعل ، فجاء هو فضلة ، وكذلك لو عرف أن الضمّة في نحو حيث وقبل وبعد ليست إعرابا وإنما هي بناء . وإنما ذكرت هذا الظاهر الواضح ليقع الاحتياط في المشكل الغامض . وكذلك ما يحكى عن الجاحظ من أنه قال : قال النحويون : إن أفعل الذي مؤنّثه فعلى لا يجتمع فيه الألف واللام ومن ، وإنما هو بمن أو بالألف واللام ؛ نحو قولك : الأفضل وأفضل منك ، والأحسن وأحسن من جعفر ، ثم قال : وقد قال الأعشى :